مقالات
.

يبدأ الخريف في الطبيعة مرةً كل عام، أما في حياتنا فقد يأتي أكثر من مرة، وربما لا يرتبط بموعد ولا فصل.
فكما تتساقط أوراق الشجر حين ينتهي دورها، يتساقط من حياتنا أشخاص، وتنتهي علاقات، وتتبدل قناعات، ونغادر أماكن، وتنطفئ رغبات كنا نظن أنها سترافقنا طويلًا.
والغريب أننا نقاوم هذا التساقط، مع أننا نراه في الطبيعة أمرًا طبيعيًا. نحزن على كل راحل، ونتشبث أحيانًا بما انتهى، كأن البقاء هو الدليل الوحيد على القيمة، وكأن النهاية تنفي جمال ما سبقها.
لكن الشجرة لا تركض خلف أوراقها حين تسقط، ولا تعتبر عري أغصانها نهاية؛ إنها تتخفف مما انتهى موسمه، وتستعد في صمت لموسم آخر.
وهكذا نحن.
تمر بنا مراحل يصبح فيها الاحتفاظ ببعض الأشياء أثقل من فقدها. نتمسك بعلاقة استنفدت معناها، أو بصورة قديمة لشخص تغير، أو بحلم لم نعد نريده، فقط لأننا اعتدنا وجوده. وربما لا يكون أصعب ما في الرحيل فقد ما كان، بل فقد ما تخيلنا أنه سيكون.
وقد لخّص أبو البقاء الرندي قانون التحول بقوله:
«لكل شيءٍ إذا ما تم نقصانُ
فلا يُغرَّ بطيب العيش إنسانُ»
فليس كل من سقط من حياتنا كان خسارة، وليس كل ما انتهى كان يستحق أن يستمر. بعض الرحيل يكشف ما لم نكن نراه أثناء القرب، وبعض النهايات تفسح في أرواحنا مساحة لبدايات لم تكن تجد مكانًا.
ومع مرور السنوات، ندرك أن خريف العمر لا يعني أن نفقد الآخرين فقط؛ فقد تتساقط منا نحن أيضًا نسخ قديمة من أنفسنا، وأفكار تجاوزناها، ومخاوف لم تعد تحكمنا، وعلاقات لم تعد تشبه وعينا، وأحلام اكتشفنا أنها لم تكن أحلامنا أصلًا.
وهذا النوع من التساقط قد يكون أجمل ما يحدث للإنسان؛ أن تسقط منه الحاجة إلى إرضاء الجميع، وأن يكف عن ملاحقة من اختار الابتعاد، وأن يدرك أن بعض الأبواب حين تُغلق لا تحتاج إلى طرق أطول، بل إلى شجاعة المضي.
ومع النضج، لا نصبح أقل إحساسًا، بل أكثر فهمًا. نحزن دون أن نهدم أنفسنا، ونفتقد دون أن نلاحق، ونتذكر دون أن نحاول استعادة كل ما مضى. فهناك فرق بين أن نحترم ذكرى مرحلة، وبين أن نحاول إحياءها بعد أن انتهى موسمها.
بعض الأوراق كانت جميلة وهي على الأغصان، لكنها حين سقطت أصبح مكانها الطبيعي الأرض لا الشجرة.
ولعل أجمل ما يعلمنا إياه الخريف أن الجمال لا يكون دائمًا في الامتلاء؛ أحيانًا نحتاج إلى أن تخف أغصاننا حتى نرى ما بقي عليها، وأن يقل الضجيج حولنا حتى نسمع أنفسنا، وأن تسقط بعض الأوهام حتى نرى الحقيقة كما هي.
لذلك ربما لا يكون السؤال:
من الذي سقط من حياتنا؟
بل
ماذا بقي فينا بعد كل هذا التساقط؟
فالخريف الحقيقي ليس في كثرة الراحلين، وإنما في قدرتنا على فهم معنى رحيلهم، وألا نقضي أعمارنا نجمع أوراقًا انتهى موسمها.
همسة أمل ..
حين يبدأ خريفك، لا تخشَ تساقط الأوراق؛ فبعض ما يسقط من حياتك لا يأخذ جمالها معه، بل يمنح أغصانك مساحة للضوء، ويذكّرك بأن الشجرة لا تنتهي حين تخلو أغصانها؛ إنها تستعد لأن تزهر من جديد …






