.

حين نتحدث عن مكة المكرمة، فإننا لا نتحدث عن مدينة عادية؛ بل عن مكان تتداخل فيه الجغرافيا بالتاريخ، وتلتقي فيه ذاكرة الإنسان بقدسية المكان. وفي هذا السياق يأتي كتاب «جبال مكة: قراءة تاريخية» للدكتور عدنان عبدالبديع اليافي، ليأخذ القارئ في رحلة مختلفة بين جبال البلد الأمين، مستعيدًا شيئًا من تاريخها ومكانتها وما تختزنه من حكايات.
استعرض المؤلف في كتابه تاريخ بعض الشوامخ من جبال بلاد الحرم، باعتبارها جزءًا أصيلًا من تاريخ مكة المكرمة، وشاهدًا على مراحل متعددة من تاريخ البلد الأمين. فالجبال في مكة ليست مجرد تضاريس تحيط بالمدينة، وإنما هي معالم ارتبطت بالإنسان والمكان، وحضرت في الروايات والأحداث والذاكرة المكية عبر قرون طويلة.
ويبدأ الكتاب بالحديث عن مكة المكرمة، موقعها وتضاريسها وخصائصها الجغرافية، في إيجاز شديد، قبل أن ينتقل إلى الحديث عن عدد من جبالها الشامخة، متتبعًا أسماءها ومواقعها وتاريخها، وما ارتبط بها من أحداث وشواهد.
وتكمن أهمية هذا العمل في أنه يلفت الانتباه إلى جانب ربما لا يحظى بما يستحقه من التوثيق؛ فمكة التي يعرفها الناس من خلال المسجد الحرام والمشاعر المقدسة، تخفي بين جبالها صفحات واسعة من التاريخ. وكل جبل فيها يحمل اسمًا وحكاية، وربما ارتبط بحدث أو شخصية أو مرحلة من مراحل تطور المدينة.
ومن المهم الإشارة إلى أن المؤلف لم يقصد حصر جميع جبال مكة، وإنما اختار عددًا من الشوامخ التي لها علاقة وثيقة بتاريخ البلد الأمين، نظرًا إلى كثرة جبال مكة وتعدد معالمها.
جبال مكة.. صفحات من ذاكرة البلد الأمين
تتميز مكة المكرمة بطبيعة جبلية واضحة؛ فجبالها ليست مجرد تكوينات طبيعية تحيط بالمدينة، وإنما ارتبط عدد كبير منها بأحداث دينية وتاريخية، وأصبح بعضها من أبرز معالم الهوية المكانية لمكة.
جبل النور
يأتي جبل النور في مقدمة جبال مكة حضورًا في الذاكرة الإسلامية، ويقع شمال شرق المسجد الحرام، ويقع في أعلاه غار حراء، المكان الذي كان النبي ﷺ يخلو فيه قبل البعثة، وفيه نزل الوحي لأول مرة، ونزلت الآيات الأولى من القرآن الكريم.
ولذلك ارتبط اسم الجبل بنور النبوة، وأصبح أحد أشهر المواقع التاريخية في مكة المكرمة.
جبل ثور
أما جبل ثور فيقع جنوب المسجد الحرام، وتكمن أهميته التاريخية في وجود غار ثور، الذي مكث فيه النبي ﷺ وأبو بكر الصديق رضي الله عنه ثلاث ليالٍ أثناء الهجرة إلى المدينة المنورة.
وهو الحدث الذي خلده القرآن الكريم في سورة التوبة، ليصبح جبل ثور شاهدًا على مرحلة مفصلية في تاريخ الدعوة الإسلامية.
جبل أبي قبيس
ومن الجبال التي ارتبطت بتاريخ مكة ارتباطًا وثيقًا جبل أبي قبيس، الواقع شرق المسجد الحرام والمشرف على الكعبة المشرفة، وهو من أشهر جبال مكة وأحد الأخشبين، إلى جانب قعيقعان.
وتناقلت كتب التاريخ والتراث المكي عددًا من الروايات حول اسمه ومكانته، ولذلك يحتل حضورًا بارزًا في كتب تاريخ مكة.
جبل قعيقعان
ويقابل أبا قبيس من الجهة الأخرى جبل قعيقعان، الذي يُعرف ضمن أشهر جبال مكة التاريخية، ويمتد شمال وشمال غرب المسجد الحرام بين وادي إبراهيم ووادي طوى.
وتشير المصادر إلى ارتباط تسميته بروايات تاريخية قديمة، كما عُرف في بعض المصادر باسم جبل هندي، وتكمن أهميته في كونه جزءًا من التكوين الجغرافي والتاريخي القديم لمكة.
جبل السيدة
ويقع جبل السيدة في منطقة الحجون شمال المسجد الحرام، ويرتبط بمقبرة المعلاة، التي تضم قبر أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها.
وقد ارتبط اسم الجبل بالسيدة خديجة، ولذلك بقي حاضرًا في ذاكرة أهل مكة وكتب تاريخها.
جبل الرحمة
وفي مشعر عرفات يبرز جبل الرحمة، المرتبط بأحد أعظم مشاهد الحج؛ وقوف الحجاج بعرفة في اليوم التاسع من ذي الحجة.
ويختلف هذا الجبل عن الجبال المرتبطة بالسيرة من حيث علاقته المباشرة بمناسك الحج، ولذلك يحتل مكانة خاصة في الذاكرة الدينية للمسلمين.
جبل الكعبة
ومن الجبال التي تحمل دلالة تاريخية لافتة جبل الكعبة، الواقع شمال غرب المسجد الحرام في حارة الباب، ويُعرف أيضًا باسم جبل مقلع الكعبة.
وتشير المصادر إلى أن الحجارة أُخذت منه عند إعادة بناء الكعبة في إحدى مراحل تاريخها، وهو ما يمنحه قيمة خاصة في تاريخ العمارة المكية.
جبل خندمة
ويقع جبل خندمة في الجهة الجنوبية الشرقية من الحرم المكي، وهو من الجبال التي أسهمت في تشكيل طبيعة مكة الجغرافية.
ويأتي ذكره ضمن الجبال التاريخية المحيطة بالمسجد الحرام، إلى جانب أبي قبيس وقعيقعان وغيرها.
الجبل.. أكثر من مجرد تضاريس
إن قراءة تاريخ جبال مكة تمنحنا فرصة للنظر إلى المدينة من زاوية أخرى؛ زاوية المكان الذي كان شاهدًا على حركة الناس والعمران، وعلى التحولات التي مرت بها مكة عبر العصور.
فالجبال بقيت في مواقعها، بينما تغيرت ملامح المدينة من حولها، لتصبح هذه الشوامخ بمثابة علامات ثابتة في ذاكرة المكان.
واللافت في مثل هذه الكتب أنها لا تكتفي بتقديم المعلومة التاريخية، وإنما تعيد تشكيل علاقتنا بالمكان. فعندما نعرف قصة جبل، أو سبب تسميته، أو الأحداث التي ارتبطت به، فإن رؤيتنا له تتغير؛ فلا يعود مجرد كتلة صخرية نمر بها، بل يصبح صفحة من صفحات تاريخ مكة.
توثيق ذاكرة المكان
ومن هنا تأتي قيمة كتاب «جبال مكة» للدكتور عدنان اليافي، في توثيق جانب من ذاكرة البلد الأمين، والمحافظة على أسماء ومعالم قد تتوارى تفاصيلها مع مرور الزمن.
فالتاريخ لا يسكن الكتب وحدها، بل يسكن أيضًا الأمكنة والجبال والأودية والطرق القديمة، وكلها تشكل في مجموعها ذاكرة المدن.
ومكة المكرمة، بما تحمله من مكانة دينية وتاريخية، تستحق أن تُقرأ من زوايا متعددة، وأن تُوثق تفاصيلها الصغيرة قبل الكبيرة؛ لأن كل تفصيل فيها يمكن أن يقود إلى حكاية، وكل معلم قد يحمل خلفه فصلًا من فصول التاريخ.
وفي زمن تتسارع فيه عمليات التطوير وتتغير فيه ملامح المدن، تزداد أهمية التوثيق، حتى تبقى ذاكرة المكان حاضرة إلى جانب تطوره.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة كتاب «جبال مكة: قراءة تاريخية» بوصفه محاولة للحفاظ على جزء من الذاكرة الجغرافية والتاريخية لمكة المكرمة، وتعريف الأجيال بما تختزنه جبالها من دلالات وقصص.
جبال شاهدة على التاريخ
إن جبال مكة ليست مجرد شوامخ صامتة؛ إنها ذاكرة قائمة بذاتها، ظلت شاهدة على تاريخ البلد الأمين، وحفظت في صخورها ومرتفعاتها شيئًا من حكاية المكان.
ويأتي هذا الكتاب ليمنح القارئ فرصة للتأمل في تلك الشوامخ، والاقتراب من تاريخها، واستحضار حضورها في ذاكرة مكة التي لا تنضب.
فجبال مكة لا تقف حول المدينة فحسب؛ بل تقف فوق صفحات من تاريخها، شاهدة على المكان والإنسان والحدث، وحافظة لجزء أصيل من ذاكرة البلد الأمين.






