صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا عام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

.

لا يعرف الإنسان دائمًا ما يُقال عنه، لكنه قد يشعر بأثره في تعامل الآخرين معه؛ قرب يتحول إلى جفاء، وثقة يحل محلها الشك، ونظرات تحمل حكمًا لا يعرف سببه. وحين تتضح له الحكاية، يكتشف أن أشخاصًا حسموا رأيهم فيه قبل أن يسمعوا منه، وأن رواية ناقصة غيّرت مكانته لديهم.

قد يبدأ الأمر بموقف انتُزع من سياقه، أو خلاف رُوي من جهة واحدة، أو تأويل قُدّم بوصفه حقيقة. ثم تتناقل الألسن ما سمعته، ويضيف إليه كل ناقل فهمه، حتى تتشكل صورة تستقر في الأذهان. ومع كثرة الترديد، يغيب السؤال عن الدليل، ويتحدث الناس كأنهم شهود، وهم لم يعرفوا سوى ما قيل.

هنا تكمن قسوة الحكم الجماعي؛ أن يجد الإنسان نفسه مطالبًا بإثبات براءته من اتهام لم يُطالب أصحابه بإثباته. وحين يحاول التوضيح، تُقرأ كلماته تحت وطأة الشك، وربما يُعدّ دفاعه تبريرًا؛ فالرأي الذي استقر عنه أصبح يتحكم حتى في طريقة الاستماع إليه.

مَن أطلق الحكم دون علم ظلم، ومَن صدّقه وردّده دون تثبت شارك في ذلك الظلم. فمجرد سماع الكلام لا يجعل الإنسان شريكًا فيه، لكن اعتماده حقيقة وبناء المواقف عليه يوسّعان دائرة الأذى. قال تعالى: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]. وقد يظن أحدهم أنه نقل حديثًا عابرًا، بينما تكون كلماته سببًا في انقطاع علاقة، أو ضياع فرصة، أو تشويه سمعة.

أما مَن وقع عليه الاتهام، فيؤلمه أن تهون معرفته الطويلة بالناس أمام كلام طارئ. يتساءل كيف غابت مواقفه عن ذاكرتهم، وكيف نشأت بينه وبينهم مسافة لم يمنحوه فرصة لفهمها. وقد ينسى الناقلون حديثهم، بينما يبقى هو يواجه أثره، ويحاول استعادة اطمئنانه إلى علاقات كان يظنها أكثر رسوخًا.

وقد يختار الصمت صونًا لخصوصيته، أو تعبًا من ملاحقة ما يُقال. ولا يثبت صمته صحة الاتهام؛ فله تفاصيل لا يرغب في كشفها، وأشخاص لا يريد إقحامهم في الجدل. وليس من الإنصاف أن يصبح احتفاظه بخصوصيته دليلًا ضده، أو أن يُضطر إلى عرض حياته كلها ليدفع عن نفسه كلامًا لم يتحقق منه أحد.

ولا يقتضي الإنصاف تصديق كل دفاع، وإنما يقتضي التثبت، وسماع الأطراف، والتمييز بين ما رأيناه وما سمعناه وما استنتجناه. قال تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]. فكثرة المتفقين على اتهام لا تثبت صحته حين يكون مصدرهم جميعًا صوتًا واحدًا. وحين تنقص المعرفة، يكون تعليق الحكم موقفًا مسؤولًا يحفظ للإنسان حقه، وللحقيقة فرصتها في الظهور.

وإذا انكشفت الحقيقة، فلا يكفي أن نصحح رأينا في صمت، فيما تظل الصورة التي أسهمنا في تشويهها حاضرة لدى الآخرين. علينا أن نعتذر لصاحبها، وأن نبلغ بالحقيقة مَن بلغهم منا الاتهام، وأن نسعى إلى إصلاح ما نستطيع من أثره. فردّ الاعتبار مسؤولية يتحملها مَن أسهم في الإساءة، ولا يصح أن يُترك عبؤها كله على مَن تضرر منها.

يُختبر إنصافنا حين يصلنا كلام يوافق انطباعًا سابقًا لدينا، أو يتعلق بإنسان نختلف معه. عندها يصبح التريث أصعب، ويغدو السؤال عن الدليل أكثر ضرورة. فالخلاف لا يسقط حق أحد في العدل، والكلمة التي يسهل علينا قولها قد يصعب عليه تجاوز أثرها.

همسة أمل ..

قبل أن تروي ما يسيء إلى إنسان، اسأل نفسك: ماذا أعرف حقًا؟ اترك للحقيقة مكانًا، ولصاحبها صوتًا، وتذكّر أن رواية واحدة لا تختصر حياة كاملة. وإن أخطأت في حقه، فليصل إنصافك إلى مَن وصلهم ظلمك؛ فالاعتذار الذي يبقى بينكما لا يصحح وحده صورة تشوهت أمام الناس ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى