مقالات
كيف نفكّر خارج الصندوق؟
قد نبذل جهدًا كبيرًا في البحث عن حل، بينما نظل أسرى السؤال نفسه. نكرّر المحاولات، ونستعين بالوسائل ذاتها، ثم نستغرب بقاء النتيجة على حالها. وحين تتزاحم الأفكار وتتعثّر الخطوات، يصبح من المفيد أن نتوقف لنسأل: هل ضاقت الخيارات أمامنا، أم ضاقت الزاوية التي ننظر منها إليها؟
كثيرًا ما نسمع عن التفكير الإبداعي، ونربطه بالاختراعات والفنون والمواهب النادرة، مع أن حاجتنا إليه تبدأ من تفاصيل يومنا؛ في تنظيم مسؤوليات متراكمة، أو معالجة خلاف، أو تطوير عمل لم يعد أسلوبه المعتاد يحقق الغرض منه. ويوصف هذا التفكير بالإبداعي لأنه يتيح إنتاج فكرة جديدة، أو تطوير فكرة قائمة بطريقة مفيدة وملائمة للموقف.
أما «الصندوق» فهو تعبير عن الحدود التي ترسمها عاداتنا وافتراضاتنا وتجاربنا السابقة، حتى نألفها ونرى من خلالها كل ما يستجدّ في حياتنا. تمنحنا الخبرة قدرة على الفهم والتقدير، لكنها قد تقيّد خياراتنا حين نُصرّ على معالجة كل موقف جديد بحل اعتدناه، دون أن نختبر مدى صلاحيته.
تبدأ الخطوة الأولى بمراجعة المألوف. لماذا نفعل ذلك بهذه الطريقة؟ ما الذي تغيّر في الظروف؟ وماذا لو جرّبنا ترتيبًا آخر؟ تمنحنا هذه الأسئلة فرصة لفهم ما نفعله، والتمييز بين اختيار نستند فيه إلى سبب واضح، وسلوك نكرّره لأننا لم نفكّر في بديله.
فمن تتراكم عليه المسؤوليات قد ينشغل بسؤال: كيف أجد ساعات إضافية للعمل؟ ثم يواصل استنزاف وقته وطاقته. لكن السؤال عن المهام التي تستحق أن يؤديها بنفسه قد يفتح أمامه حلولًا أخرى؛ كتفويض بعضها، أو إعادة ترتيب أولوياته، أو اختصار خطوات لا تضيف قيمة. هنا يبدأ التغيير من صياغة المشكلة، قبل البحث عن إجابتها.
ويحتاج ذلك إلى مرونة ذهنية تسمح لنا بالانتقال بين الاحتمالات، والاستماع إلى رأي مختلف، ومراجعة خطة بذلنا فيها جهدًا حين يتضح أنها تحتاج إلى تعديل. فالتعلّق بأول حل يخطر لنا قد يحجب ما هو أنسب، والخوف من التراجع قد يُبقينا في طريق لا يخدم غايتنا.
ومن صور التفكير خارج الصندوق أن نكتشف ما يمكن أن ينشأ من الجمع بين مهاراتنا. فقد ينظر الإنسان إلى قدراته متفرقة، فلا يرى في أيٍّ منها ما يمنحه تميّزًا واضحًا، بينما يغفل عن القيمة التي يمكن أن يصنعها اجتماعها. فالكتابة، وحسن الإصغاء، والقدرة على الشرح، والخبرة في مجال محدد، قد تتكامل لتنتج عملًا يصعب أن تؤديه مهارة واحدة بالفاعلية نفسها.
وتقرّب تجربة رسام القصص المصوّرة الأمريكي سكوت آدامز هذا المعنى. فقد جمع في سلسلة «ديلبرت» بين الرسم والفكاهة ومعرفته ببيئة العمل، مستفيدًا من خبرته الوظيفية في بناء عالم ساخر يجد فيه الموظفون شيئًا من يومهم. وتتيح لنا تجربته تأمّل فكرة «مزيج المهارات»: أن تتكوّن للإنسان ميزة من تفاعل قدرات متعددة، ينمّيها ويوجّهها نحو غرض واضح.
ولا ينتقص هذا من قيمة التخصص؛ فالمعرفة العميقة تظل أساسًا لأعمال كثيرة، وقد تتسع فائدتها حين تتصل بمهارة أخرى. فالمتخصص الذي يحسن شرح معرفته، والكاتب الذي يفهم جمهوره، وصاحب المشروع الذي يجيد التواصل، يضيف كلٌّ منهم إلى خبرته ما يساعدها على الوصول والتأثير.
غير أن الأفكار تحتاج إلى تجربة تكشف جدواها. فقد نسترسل في تخيّل البدائل، ثم نتردد أمام أول خطوة. ويمكن أن تبدأ المحاولة بتغيير محدود نستطيع ملاحظة أثره ومراجعة نتائجه؛ كأسلوب مختلف في الحوار، أو طريقة أبسط لإنجاز مهمة، أو تعاون يجمع خبرتين متكاملتين. ومن خلال التطبيق نعرف ما يستحق التطوير وما ينبغي العدول عنه.
ويظل معيار الفكرة ما تحققه من فائدة، ومدى ملاءمتها للواقع. فالجديد لا يكتسب قيمته من اختلافه وحده، والمألوف لا يفقد صلاحيته لمجرد أننا اعتدناه. وحسن التفكير يمنح كل احتمال حقه في النظر، ثم يختار على أساس الفهم والتجربة.
قد نكتشف، حين نتأمل ما بين أيدينا، أن بداية الحل أقرب مما ظننا: في سؤال لم نطرحه، أو خبرة لم نحسن توظيفها، أو مهارتين لم نفكّر في الجمع بينهما. وربما كانت الخطوة التي نحتاج إليها هي أن نمنح هذه الإمكانية فرصة جادّة للاختبار.
همسة أمل
تأمّل ما تعرفه وما تجيده، واسأل نفسك: كيف يمكن أن أجمع بينهما لأصنع شيئًا نافعًا؟ ثم ابدأ بخطوة مدروسة؛ فبعض الفرص تتضح لنا حين نشرع في تجربتها.








