صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا عام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

الانقراض الصامت للإنسان… حين تبقى الأجساد على قيد الحياة، وتبدأ الإنسانية في الرحيل

لم يكن الإنسان، في أي مرحلة من مراحل تاريخه، أكثر قدرةً على الوصول إلى العالم مما هو عليه اليوم، لكنه ربما لم يكن يومًا أكثر حاجةً إلى أن يعود إلى نفسه. لقد اختصر المسافات، واخترق الحواجز، واستدعى المعرفة من أطراف الأرض في ثوانٍ معدودة، حتى بدا وكأنه انتصر على حدود المكان والزمان. ومع ذلك، ثمة شيء غامض يتراجع في أعماقه، شيء لا تقيسه مؤشرات التقدم، ولا ترصده شاشات الإنجاز، ولا يظهر في تقارير النمو والازدهار. شيء إذا غاب، بقي الإنسان حيًّا في صورته، حاضرًا في ملامحه، كاملًا في أعضائه، لكنه يفقد شيئًا من المعنى الذي جعله إنسانًا.

إنه الانقراض الصامت للإنسان؛ ليس ذلك الانقراض الذي يخلّف وراءه مدنًا مهجورة، ولا الذي تعلنه الكوارث بصوتها المدوي، بل انقراض أكثر هدوءًا ومراوغة، يحدث بينما تستمر الحياة في ضجيجها المعتاد، وتزدحم الشوارع بالمارة، وتمتلئ البيوت بالأجهزة، وتفيض الشاشات بالوجوه والكلمات والصور. انقراض لا يختفي فيه البشر من الأرض، بل تتراجع فيه، ببطء، بعض أجمل الصفات التي جعلت للحياة البشرية قيمتها: الدهشة، والتأمل، والرحمة، والصبر، والقدرة على التفكير المستقل، والاستعداد للإصغاء إلى إنسان آخر دون أن ننشغل بإعداد إجابتنا قبل أن ينتهي من الكلام.

ولعل أكثر ما يجعل هذه الظاهرة مخيفة أنها لا تأتي في هيئة عدو واضح يمكن أن نحذره، بل تتسلل إلينا في هيئة أشياء نحبها، ونختارها، ونظن أنها تجعل حياتنا أفضل.

نستيقظ، فتكون الشاشة أول ما تقع عليه أعيننا، ونمد أيدينا إليها قبل أن نمدها إلى صباحنا. ننتقل من خبر إلى آخر، ومن مقطع إلى مقطع، ومن حكاية إلى حكاية، حتى تمر الساعات ونحن نعرف ما حدث للغرباء، وما قاله المشاهير، وما اختلف عليه الناس، لكننا قد لا نتذكر متى جلسنا آخر مرة مع أنفسنا دون مقاطعة، أو متى منحنا شخصًا نحبه انتباهًا كاملًا لا ينازعه إشعار عابر. نعرف تفاصيل حياة أناس لم نلتقِ بهم قط، بينما تتوارى عنا تفاصيل صغيرة في حياة أقرب الناس إلينا. نرى مئات الوجوه كل يوم، لكننا قد نعجز عن تذكّر آخر وجه تأملناه بمحبة حقيقية.

وهنا تبدأ المفارقة الكبرى، لقد أصبحت وسائل التواصل أكثر قدرة على جمعنا، فيما لم تعد هذه القدرة تضمن أن نكون أقرب بعضنا إلى بعض. أصبح الوصول إلى الآخر أسهل، لكن الوصول إلى أعماقه ما زال يحتاج إلى وقت وصبر وصدق، وهي أشياء لا يمكن اختصارها بزر، ولا استدعاؤها بأمر صوتي، ولا تحميلها من متجر التطبيقات.

لقد تعلّمنا كيف نرسل الكلمات بسرعة، لكننا لم نتعلم بالضرورة كيف نصغي. وكيف نعرض مشاعرنا، لكننا لم نتقن دائمًا كيف نعيشها. وكيف نوثّق اللحظات، لكننا قد ننسى أحيانًا أن نكون حاضرين فيها. حتى الفرح، ذلك الشعور الذي كان يكفيه أن يسكن القلب، أصبح في بعض تجليات الحياة المعاصرة بحاجة إلى صورة تثبته، وجمهور يشاهده، وتفاعل يؤكد لنا أنه كان يستحق أن يحدث.

وكأن التجربة لم تعد مكتملة بمجرد أن نعيشها؛ بل ينبغي أن يراها الآخرون حتى نطمئن إلى قيمتها.

لكن ما الذي يحدث للإنسان حين تصبح حياته، تدريجيًا، عرضًا مستمرًا أمام جمهور متخيَّل؟ حين يبدأ في اختيار ما يعيشه وفق ما سيبدو عليه، وليس وفق ما يعنيه له؟ وحين يتعلم أن يقيس نجاح لحظاته بعدد من شاهدها، بدلًا من مقدار ما تركته في روحه؟

إنه لا يخسر لحظة فحسب، بل يخاطر بأن يخسر علاقته العميقة بالحياة. فهناك فرق شاسع بين أن تمر بالتجربة وأن تعيشها، وبين أن ترى العالم وأن تتأمله، وبين أن تجمع الصور عن أيامك وأن تملك ذكريات حقيقية تسكنك حتى بعد أن تختفي الصور.

ولعل الخطر الأكبر لا يكمن في التقنية ذاتها، فهي من أعظم ما أبدع العقل البشري، وإنما في اللحظة التي تتوقف فيها عن كونها أداة نستخدمها لتحقيق غاياتنا، وتبدأ فيها، دون أن نشعر، بإعادة تشكيل رغباتنا وعاداتنا ومقاييسنا لما يستحق الاهتمام. عندها لا يعود السؤال: كم من الوقت قضينا أمام الشاشة؟ بل يصبح: أيُّ نوع من البشر نصبح بعد كل ذلك الوقت؟

فالإنسان لا يتشكل فقط بما يتعلمه، وإنما أيضًا بما يكرره، وما يمنحه انتباهه، وما يسمح له بأن يحتل مساحات عقله وقلبه. وما نستهلكه يوميًا لا يمر دائمًا عبرنا دون أثر؛ فقد يعلّمنا الصبر، وقد يدربنا على الاستعجال، وقد يوسع مداركنا، وقد يحبسنا داخل دوائر ضيقة من الأفكار المتشابهة. وحين نعتاد المكافآت الفورية، قد يصبح الانتظار أثقل مما ينبغي. وحين نعتاد المقاطع القصيرة المتلاحقة، قد تبدو لنا الأفكار العميقة طويلة أكثر مما تستحق. وحين نتلقى أحكامًا جاهزة عن كل شيء، قد تتراجع رغبتنا في خوض المشقة الضرورية للوصول إلى أحكامنا بأنفسنا.

شيئًا فشيئًا، قد يصبح التفكير عبئًا نبحث عمن يريحنا منه، والقراءة العميقة مهمة مؤجلة، والصمت فراغًا ينبغي ملؤه بأي صوت، والملل عدوًا ينبغي القضاء عليه فورًا. مع أننا لا ندرك دائمًا أن بعض أعظم ما ينضج في الإنسان يحتاج إلى ما نحاول الهرب منه: لحظة صمت، ومساحة للتفكير، ووقت لا يحدث فيه شيء سوى أن العقل يرتب فوضاه، وأن القلب يفهم ما عجز عن فهمه وسط الضجيج.

فالملل، حين لا يكون مؤلمًا أو ناتجًا عن معاناة تحتاج إلى علاج، قد يفتح بابًا للخيال. والصمت قد يمنح الأفكار فرصة للنضج. والتأمل قد يعيد إلينا أسئلة دفناها تحت ركام الانشغال. أما حين نهرب من كل فراغ، فإننا قد نحرم أنفسنا من تلك المساحات التي لا تنتج شيئًا قابلًا للنشر، لكنها تنتج أشياء لا تُقدَّر بثمن: البصيرة، والاتزان، وفهم الذات.

ومن هنا تبدأ خسارة أخرى، أشد خفاءً من ضياع الوقت: خسارة الدهشة.

تأمل طفلًا يرى المطر للمرة الأولى؛ كيف يحدق في السماء، ويتعقب قطراته، ويتعامل مع كل مشهد كأنه اكتشاف جديد. ثم تأمل الإنسان الذي اعتاد أن يرى كل شيء، حتى لم يعد شيء يثير فيه شيئًا. لقد أصبح العالم في متناول عينيه، لكن عينيه لم تعودا تمنحانه بالضرورة ذلك الانبهار القديم. يمر على مشاهد الجمال كما يمر على الإعلانات، ويشاهد مأساة إنسانية ثم ينتقل إلى مشهد فكاهي، وينتقل من خبر عن كارثة إلى خبر عن مباراة، وكأن الفواجع والطرائف أجزاء متساوية من شريط لا نهاية له.

ليس معنى ذلك أن الإنسان فقد إحساسه كله، ولا أن كل من يستخدم التقنية يفقد تعاطفه، ولكن التدفق المتواصل للمحتوى قد يعرّض قدرتنا على الانتباه والتفاعل لخطر التشتت والإرهاق. وحين يصبح كل شيء حاضرًا أمامنا في اللحظة نفسها، قد نفقد القدرة على منح الأشياء أوزانها المختلفة، وعلى التوقف أمام الألم بما يستحقه من تأمل، وأمام الجمال بما يستحقه من احتفاء.

إن الخطر ليس في أن نرى الكثير، بل في أن نرى الكثير دون أن نمنح ما نراه فرصة لأن يصل إلينا.

فكم من مأساة مرت أمام أعيننا، ثم ابتلعها خبر جديد؟ وكم من إنسان احتاج إلى كلمة رحيمة، فلم يجد منا سوى نظرة عابرة؟ وكم من لحظة كان يمكن أن توقظ فينا معنى عظيمًا، لكنها ضاعت لأن إصبعًا واحدًا قرر الانتقال إلى المشهد التالي؟

وهكذا، قد يصبح الألم مشهدًا، والمعاناة محتوى، والإنجاز مادة للمقارنة، والإنسان نفسه رقمًا ضمن جمهور لا يعرف أحد أفراده الآخر. وعندما تتكرر هذه التجربة بلا وعي، يصبح من الممكن أن نعتاد مشاهدة ما كان ينبغي أن يهزّنا، وأن نتعامل مع ما كان ينبغي أن يستوقفنا ببرود لا يعكس بالضرورة قسوةً في طبائعنا، بل ربما يعكس إنهاكًا في قدرتنا على الانتباه والشعور.

غير أن الإنسان لا يفقد إنسانيته فقط عندما يتراجع تعاطفه مع الآخرين؛ فقد يفقد شيئًا منها أيضًا عندما يتراجع صدقه مع نفسه.

نحن نعيش في زمن تتزاحم فيه صور النجاح، وتُعرض فيه الحياة غالبًا من زواياها الأكثر لمعانًا. نرى الإنجازات قبل أن نرى أعوام المحاولة، ونرى الثمار قبل أن نرى مواسم الانتظار، ونرى الابتسامات دون أن نعرف ما سبقها أو ما يعقبها. ثم نعود إلى حياتنا العادية، فنقارن واقعنا الكامل بصورة منتقاة من واقع الآخرين، ونحاكم أيامنا بما لا نعرف عن أيامهم إلا ما اختاروا إظهاره.

ومع تكرار المقارنة، قد تتحول النعمة إلى أمر عادي، والإنجاز إلى شيء ناقص، والرضا إلى تهمة بالتقصير. لا لأن حياتنا أصبحت أسوأ بالضرورة، بل لأن معيارنا لما يكفي قد أخذ يتغير باستمرار. وكلما اقتربنا من صورة ظننا أنها ستمنحنا الرضا، ظهرت صورة أخرى توحي بأننا ما زلنا متأخرين.

وهكذا ينشأ إنسان يركض كثيرًا، لكنه لا يعرف متى وصل. يحقق ما كان يتمناه، ثم يكتشف أن أمنية أخرى تنتظره عند خط النهاية. لا يمنح نفسه فرصة للاحتفاء بما أنجز، لأنه منشغل بما لم ينجزه بعد، ولا يستمتع بما يملك، لأن عينيه معلقتان بما يملكه غيره.

إنه سباق لا يحتاج إلى صافرة بداية، ولا يعترف بخط نهاية؛ لأن خط النهاية يتحرك كلما اقتربنا منه.

وفي هذا السباق، قد يصبح الإنسان غريبًا عن حياته، لا لأنه فقد كل شيء، بل لأنه لم يعد يلتفت إلى ما لديه. وقد ينفق أجمل سنواته محاولًا أن يبدو ناجحًا في أعين الآخرين، حتى لا يجد وقتًا كافيًا ليسأل نفسه إن كان سعيدًا حقًا بما أصبح عليه.

ولعل أكثر ما يستحق الخوف في هذا كله أن التراجع لا يحدث بالضرورة عبر قرارات كبرى نندم عليها، وإنما عبر تنازلات صغيرة لا نراها جديرة بالقلق. دقائق تتبعها دقائق، وعادة تتبعها عادة، وانتباه يتوزع حتى لا يبقى منه ما يكفي لما نحب. ثم نستيقظ ذات يوم لنكتشف أن المسافة بيننا وبين أنفسنا أصبحت أبعد مما تخيلنا.

لكن هل هذه هي الصورة الكاملة؟ هل نحن أمام قدر محتوم لا يمكن مقاومته، أم أمام مفترق طرق ما زال الإنسان قادرًا على الاختيار فيه؟

إن الإنصاف يقتضي ألا نحوّل التقنية إلى متهم وحيد، ولا أن نتعامل مع الماضي كما لو كان عصرًا مثاليًا خاليًا من التشتت والسطحية والوحدة. فالإنسان عرف عبر تاريخه صورًا متعددة من الانشغال والاغتراب وفقدان المعنى، كما أن التقنية منحت ملايين البشر فرصًا للتعلم والتواصل والإبداع والوصول إلى المعرفة، وفتحت أبوابًا لم تكن متاحة للأجيال السابقة.

غير أن كل قوة جديدة تمنح الإنسان قدرة أكبر تضع أمامه مسؤولية أكبر. وكلما اتسعت قدرته على الوصول إلى العالم، ازدادت حاجته إلى معرفة ما يستحق الوصول إليه، وما يستحق التجاوز عنه، ومتى ينبغي أن ينظر إلى الشاشة، ومتى ينبغي أن يرفع عينيه ليرى الحياة التي تجري أمامه.

إن المشكلة ليست في أن نمتلك أدوات قوية، بل في أن نفقد القدرة على الاختيار الواعي لكيفية استخدامها. وليست في أن نعيش عصر السرعة، بل في أن نسمح للسرعة بأن تحدد إيقاع كل شيء فينا، حتى ما لا ينضج إلا على مهل: المحبة، والحكمة، والثقة، والتربية، وبناء الشخصية، وترميم العلاقات.

فلا يمكن اختصار علاقة إنسان بإنسان إلى سلسلة من الرسائل، مهما بلغت بلاغتها. ولا يمكن تعويض سنوات التربية بمجموعة من المقاطع التعليمية. ولا يمكن أن نستعير الحكمة كما نستعير معلومة؛ لأن الحكمة تحتاج إلى تجربة، ومراجعة، واعتراف بالخطأ، وقدرة على رؤية الأمور من زوايا متعددة. ولا يمكن أن ننقل مسؤولية ضمائرنا إلى خوارزمية، مهما بلغت قدرتها على التحليل؛ فالقرار الأخلاقي يظل مرتبطًا بالإنسان الذي يتحمل عواقبه.

نحن بحاجة إلى أن نستعيد حقنا في التمهل، لا بوصفه رفضًا للتقدم، بل بوصفه حماية لما يجعل التقدم ذا معنى. أن نعيد إلى الحوار مكانته، وإلى القراءة العميقة وقتها، وإلى العلاقات الإنسانية حضورها، وإلى لحظات الصمت قيمتها. أن نتعلم كيف نختلف دون أن نحوّل الاختلاف إلى عداوة، وكيف نرى نجاح الآخرين دون أن نجعله دليلًا على فشلنا، وكيف نتابع أخبار العالم دون أن نفقد القدرة على الاهتمام بالعالم الصغير الذي تقع فيه مسؤولياتنا الحقيقية.

أن نتذكر أن وراء كل شاشة إنسانًا، وأن وراء كل صورة حياة لا نعرف تفاصيلها، وأن وراء كل رأي عقلًا قد يصيب وقد يخطئ، وأن الحقيقة لا تصبح حقيقة لأن آلاف الأشخاص كرروها، كما أن الكذب لا يصبح صوابًا لمجرد أنه يوافق رغباتنا.

والأهم من ذلك كله، أن نعيد بناء علاقتنا بأنفسنا. أن نسمح لأسئلتنا بأن تبقى مفتوحة بعض الوقت، ولأفكارنا بأن تنضج دون استعجال، ولأخطائنا بأن تعلمنا بدل أن تدفعنا إلى الاختباء خلف الأعذار. أن نعرف متى نحتاج إلى المساعدة، ومتى نحتاج إلى الصمت، ومتى نحتاج إلى إغلاق كل نافذة تطل على العالم كي نفتح نافذة واحدة تطل على أعماقنا.

فقد لا نستطيع تغيير إيقاع العالم كله، لكننا نستطيع أن نقرر ألا نسلّم له كل لحظة من أعمارنا. وقد لا نملك منع الضجيج من حولنا، لكننا نستطيع أن نحمي في داخلنا مساحة لا يصل إليها إلا ما يستحق. وقد لا نستطيع إعادة كل ما ضاع، لكننا نستطيع أن ننتبه قبل أن يتحول ما تبقى من أيامنا إلى سلسلة من اللحظات التي مررنا بها دون أن نعيشها.

وهنا، ربما يكون السؤال الأهم ليس ما إذا كانت الإنسانية تتراجع فعلًا، ولا ما إذا كانت التقنية ستغير مستقبلنا؛ فالتاريخ لم يتوقف يومًا عن تغيير الإنسان. السؤال الحقيقي هو: هل نملك من الوعي ما يكفي لنختار ما نريد أن نصبح عليه، أم أننا نترك عاداتنا الصغيرة تختار ذلك نيابة عنا؟

لأن الانقراض الذي يستحق أن نخاف منه ليس انقراض الأجساد وحدها، بل انقراض المعاني التي تجعل وجود هذه الأجساد جديرًا بالحياة. أن يبقى الصوت، ويغيب الإصغاء. وأن تبقى العين، وتغيب البصيرة. وأن يبقى العقل قادرًا على معالجة ملايين المعلومات، لكنه يعجز عن التمييز بين ما يستحق أن يعرفه وما يستحق أن يتركه. وأن تبقى الأيدي قادرة على الوصول إلى أبعد إنسان في العالم، بينما تعجز عن مواساة إنسان يجلس إلى جوارها.

فما قيمة عالم نستطيع فيه رؤية كل شيء، إذا فقدنا القدرة على التأمل؟ وما قيمة اتصال لا ينقطع، إذا أخذت المسافات بين القلوب تتسع؟ وما جدوى أن نكسب سباق التقدم، إذا وصلنا إلى نهايته ونحن لا نعرف لماذا بدأناه، ولا من تركنا خلفنا، ولا ماذا خسرنا في الطريق؟

إن الحضارة لا تُقاس فقط بما تستطيع الآلات أن تفعله، بل بما يستطيع الإنسان أن يحافظ عليه وهو يستخدمها. ولا يُقاس التقدم بعدد الحواجز التي أزلناها من طريق الوصول إلى المعلومات، بل أيضًا بقدرتنا على التمييز، وعلى الرحمة، وعلى تحمّل المسؤولية، وعلى إبقاء الإنسان غايةً للتقدم لا مجرد مستهلك لمنتجاته.

وربما يأتي يوم ينظر فيه أبناؤنا إلى هذا العصر، فيتعجبون كيف امتلكنا كل هذه الوسائل التي تقرّب البعيد، ثم احتجنا إلى أن نتعلم من جديد كيف نقترب ممن نحب. وكيف امتلكنا كل هذه المعرفة، ثم اضطررنا إلى تذكير أنفسنا بقيمة التفكير. وكيف استطعنا أن نجعل العالم كله حاضرًا في راحة أيدينا، بينما كان علينا أن نقاوم بصعوبة كي نبقى حاضرين في حياتنا.

وعندها لن يكون السؤال المؤلم: ماذا تركنا لهم من اختراعات؟ بل: ماذا تركنا لهم من إنسانيتنا؟

فأخطر أنواع الانقراض ليس ذلك الذي ينتهي عنده وجود الإنسان على الأرض، بل ذلك الذي تستمر فيه الحياة وكأن شيئًا لم يحدث، بينما تنطفئ في الإنسان، واحدةً تلو الأخرى، الأشياء التي لا يستطيع أي اختراع أن يعيدها إليه إذا فقدها: ضميره، ودهشته، ورحمته، وقدرته على أن يحب دون مصلحة، وأن يسمع دون أن يحاكم، وأن يرى في الآخر إنسانًا لا مجرد صورة عابرة.

وربما لن نستيقظ يومًا على خبر يعلن بداية هذا الانقراض، ولن نسمع صفارات إنذار تحذرنا منه، ولن نجد له تاريخًا محددًا في كتب المستقبل؛ لأنه قد يحدث في اللحظة التي نختار فيها الشاشة بدل وجه ينتظر منا الإصغاء، وفي المرة التي نمر فيها على ألم إنسان دون أن نتوقف، وفي كل مرة نستبدل فيها سؤالًا يستحق التفكير بإجابة جاهزة، أو علاقة تستحق الرعاية بانشغال لا ينتهي.

وحين يأتي ذلك اليوم الذي لا نعرف موعده، قد تكون الأرض مزدحمة بالبشر أكثر من أي وقت مضى، وقد تكون المدن أكثر جمالًا، والآلات أكثر ذكاءً، والحياة أكثر سرعةً ورفاهيةً؛ لكن المأساة الحقيقية أن نصل إلى قمة كل هذا التقدم، ثم نكتشف أننا أنقذنا الوقت من المسافات، وأنقذنا الجهد من المشقة، وأنقذنا الذاكرة من النسيان… ولم ننجح في إنقاذ الإنسان من أن يفقد نفسه.

فلا تدعوا الإنسان ينقرض في داخلنا، ونحن ما زلنا نبحث عن حياة أكثر تطورًا خارجه.

لأن المستقبل الذي يستحق أن نبنيه ليس ذلك الذي تستطيع فيه الآلات أن تفعل كل شيء، بل ذلك الذي يظل فيه الإنسان قادرًا على أن يعرف ما الذي ينبغي فعله، ولماذا، ولأجل مَن.

فقد ننجح يومًا في جعل العالم كله بين أيدينا، لكن أعظم انتصار لنا سيبقى أن نحتفظ، وسط كل هذا العالم، بإنسانٍ في داخلنا… لا يزال يشعر، ويفكر، ويرحم، ويحب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى