خلف كلمة «بخير»

كنتُ في حوار مع إحداهن، وكانت قليلة الكلام، لا تتجاوز كلماتها ردودًا مقتضبة. سألتها: «هل أنتِ بخير؟» فصمتت طويلًا، ثم قالت: «الحمد لله».
أعدتُ السؤال برفق، فرأيت لمعةً في عينيها، وأومأت برأسها دون أن تتكلم. توقفتُ عن السؤال؛ خشيت أن أحمّلها عناء شرحٍ لم تتهيأ له.
بقي صمتها في ذهني. لم أكن أعرف ما وراءه، لكنه جعلني أتأمل المسافة بين ما نشعر به وما نستطيع قوله. كم مرة اختصرنا أيامًا ثقيلة في إجابة مطمئنة، ثم مضينا ونحن نتمنى أن يفهم أحد ما عجزنا عن شرحه؟
وكما قيل:
نَحْتَاجُ مَنْ يَحْنُو عَلَى أَضْلَاعِنَا
مَا كُلُّ رُوحٍ عَنْ أَسَاهَا تُفْصِحُ
رِفْقًا بِنَا يَا وَقْتُ إِنْ لَمْ تَنْتَبِهْ
لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ فِي الحَنَايَا يُجْرَحُ
نصمت أحيانًا حفاظًا على خصوصيتنا، وأحيانًا لأن بوحًا سابقًا ترك فينا ندمًا؛ تحدثنا فقوبلنا بحكم، أو ائتمنّا أحدًا فلم يحفظ ما سمع. وقد تكون حاجتنا إلى الحديث كبيرة، لكن طاقتنا لا تتّسع لرواية الحكاية من أولها، والإجابة عن كل ما يتبعها من أسئلة.
ومع الاعتياد على التماسك، يصبح طلب السند مربكًا. نواسي الآخرين، ثم نتردد في قول: «أنا متعب». نخشى أن نثقل عليهم، أو أن تتبدّل صورتنا في أعينهم، فنواصل الاحتمال كي نظل كما اعتادوا رؤيتنا.
وقد نزيد هذا العبء دون قصد حين نقول لمن يبوح لنا: «أنت قوي»، فيسمعها مطالبةً بمزيد من الصبر، بينما كان يرجو مساحة يستريح فيها من ضرورة التماسك.
لهذا يحتاج الإنصات إلى صبر؛ أن نترك المتحدث يُكمل حديثه، ونتأنّى قبل النصح، ونسأل: «هل تحتاج إلى أن أسمعك، أم ترغب في أن نفكّر معًا فيما يساعدك؟». فقد تكون حاجته الأولى أن يقول ما يؤلمه دون أن يُطلب منه تجاوزه فورًا.
وللصمت حرمته أيضًا. اهتمامنا لا يمنحنا حق الإلحاح، والبوح لا ينبغي أن يكون اختبارًا للثقة. لكل إنسان وقته وحدوده، ومن الرفق أن نبقى قريبين دون أن نطالبه بالحديث عمّا لم يستعد لمشاركته.
لم أعرف حكاية تلك المرأة، لكنني خرجت من اللقاء أكثر انتباهًا لسؤال نكرره كثيرًا: «هل أنت بخير؟». سؤال يستحق أن نمنح إجابته وقتًا، وأن نكون مستعدين لسماع ما قد يأتي بعدها.
همسة أمل
إن أثقلك ما لم تقله، فاختر من تأمنه، وابدأ بما تستطيع. قد تكفي جملة: «لا أملك طاقةً للشرح، لكنني أحتاج إلى قربك». وحين يبوح لك أحدهم، احفظ له شعوره بالأمان؛ فقد استغرق وصوله إلى تلك الكلمات وقتًا طويلًا








