صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا عام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

بين السعادة والقوة… أين نجد أنفسنا؟

حين نسعى إلى السعادة، هل نبحث عن الفرح ذاته، أم عن شعور بالقوة نعتقد أنه سيقودنا إليه؟ قد تبدو الإجابة واضحة، حتى نتأمل ما يسعدنا، فنكتشف وراءه حاجة إلى الأمان، أو التقدير، أو القدرة على التأثير.

بعضنا يجد سعادته في المقتنيات المادية؛ يفرح بما يشتريه، ويرى فيه ثمرة جهده ودليلًا على اتساع خياراته. وبعضنا يجدها في التفاف الناس حوله، فيطمئن إلى محبتهم واهتمامهم، ويشعر بمكانته في حياتهم. وهناك من يسعد بالعطاء، ويجد في قدرته على نفع الآخرين إحساسًا بالقيمة والرضا.

تختلف مصادر الفرح، وقد يجمع بينها شعور بالقوة: أستطيع أن أمتلك، أو أن أحظى بالمحبة، أو أن أترك أثرًا. وتتداخل دوافعنا أحيانًا؛ فنقتني الأشياء لجمالها ولما تمثله من إنجاز، ونعطي محبةً في الآخرين، ويسعدنا أيضًا تقديرهم لما نقدمه.

وهناك مقولة: «السعادة ليست في الجمال ولا في الغنى ولا في الحب ولا في القوة ولا في الصحة؛ السعادة في استخدامنا العاقل لكل هذه الأشياء». وهي تدعونا إلى النظر في علاقتنا بأسباب السعادة؛ فما نملكه قد يمنحنا متعة وراحة، وقد يشغلنا بالخوف من فقدانه. وحتى العطاء، على جماله، قد يرهقنا حين نتجاوز فيه حدود استطاعتنا طلبًا للرضا أو التقدير.

لكن ماذا يبقى من قوتنا حين يغيب ما كنا نستمدها منه؟

قد تضيق خياراتنا، وينشغل عنا من نحب، ونحتاج إلى المساندة بعد أن اعتدنا تقديمها. عندها نواجه معنى آخر للقوة؛ فقد عرفناها في قدرتنا على تحقيق ما نريد، ثم نكتشفها في قدرتنا على التعامل مع ما لم نرده.

السعادة، كما أراها، تتجلى في لحظات تضيء أيامنا؛ لقاء ننتظره، أو خبر يبهجنا، أو إنجاز تعبنا من أجله. تخفت نشوة اللحظة، وقد تترك وراءها رضا أهدأ وأطول بقاءً. ومن المرهق أن ننتظر استمرار الفرح بالوهج نفسه، أو أن نفسّر غيابه المؤقت على أنه حكم على حياتنا كلها.

أما القوة، فقد نكتشفها ونحن نحزن؛ حين نواجه حقيقة تؤلمنا، أو نتعايش مع خسارة لم نخترها، أو نحاول استعادة توازننا بعد تجربة قاسية. وربما تأخر شعورنا بها، بينما كانت تظهر بالفعل في تفاصيل أيامنا: مسؤولية أدّيناها رغم التعب، ومساعدة طلبناها حين احتجنا إليها، وقرار اتخذناه بعد تردد طويل.

أرى القوة في كل مرة تنهزم فيها، ثم تأبى أن تستسلم وتبدأ من جديد. قد تتوقف لتلتقط أنفاسك، وتبكي ما فقدته، وتحتاج إلى من يسندك. ثم تستعيد شيئًا من توازنك، وتتقدم بقدر ما تستطيع. ولا تُقاس قيمة هذه الخطوة بحجمها في عيون الآخرين؛ فأنت وحدك تعرف ما احتجته من جهد لتخطوها.

والبدء من جديد يحتاج إلى بصيرة بقدر حاجته إلى الإصرار. فقد تكون قوتك في مراجعة قرار، أو مغادرة ما يستنزفك، أو الاعتراف بأنك تحتاج إلى التعلّم. فهل يستحق كل طريق أن نواصل السير فيه لمجرد أننا قطعنا منه مسافة طويلة؟

بين السعادة والقوة تتضح معرفتنا بأنفسنا: ما الذي يفرحنا، وما الذي يسندنا حين يتعذر الفرح؟ وحين نفهم الأمرين، نستقبل الأيام الجميلة بامتنان، ونعبر الصعبة بوعي أرفق بأنفسنا. نعرف أن التعثر تجربة نمر بها، وأن أمامنا حقًا في المحاولة، ومساحة لاختيار ما يأتي بعدها.

همسة أمل:
أن تبدأ من جديد وأنت تعرف صعوبة الطريق؛ تلك قوة تستحق أن تثق بها. امنح نفسك وقتًا لتستعيد توازنك، ولا تنتظر زوال الخوف كله كي تخطو. قد تبدأ بخطوة مترددة، ثم تجد في الطريق ما يعيد إليك الطمأنينة والفرح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى