طَلْعٌ نضيد

“عن الثلث الأخير…”
عزيزي الغالي “ع” ما سأكتبه هنا هو رأيي الشخصي.. وليس نتائج دراسة أو استبيان! هي ملاحظاتي في الحياة وأنا في انعطافة مفصلية بين مرحلتين..
لكن المؤكد أن الإنسان يتكون من عقل و جسد و روح..
وحياة معظم البشر تنقسم إلى ثلاث مراحل كل منها تشكل تقريبا ٢٥ عاماً من عمره. حين يكون متوسط العمر ٧٥ عاما.
وفي كل مرحلة يطغى جزء من هذه الأجزاء على سلوكه و أسلوب تفكيره وردود افعاله!
و يكون للجزئين الآخرين سيطرة أقل.. وتتفاوت النسب بين البشر والأجناس والأزمنة..
في الثلث الأول زمن الطفولة والصبا و الدراسة.. تسيطر الحركة الجسدية وعنفوان الهرمونات ومراحل النمو عليها.. ونستعمل جزءا جيدا من العقل نجمع به المعلومات ونكتسب المهارات.. ونخزن الذكريات..
ويبقى جزء ضئيل له وعي بالروح وماهيتها.. بل ربما يكون الجانب الروحي موروثا ومكتسبا من الأسرة وليس عن استيعاب لهذا الجانب.
فالجسد هو المتحكم هنا والأكثر فعالية..
الثلث الثاني مرحلة عمل وتأسيس أسرة وبناء علاقات اجتماعية .. و فيها يتسيد (العقل) على معظم سلوك الشخص ويساعده في المهنة وتكوين شبكة معارف واتخاذ القرارات . ويحتاج لجسده أيضا لكن بطريقة تخلو من اللهو المتواصل و سيلحظ أنه يحتاج للراحة بعد المجهود.. كما سيتنامى إحساسه بالروح مع وقوعه في الحب واستيعابه الناضج لفداحة الموت وانتقال أحبة لعالم آخر..
هناك شيء يشعر به ولا يراه يأخذ احيانا شكل خيط ذهبي يربط معصمه بأناس فيتعلق بوجودهم.. و يأخذ أحيانا شكل أجنحة تعطيه شعورا بالخفة والتحليق في أماكن معينة . ويبدو أحيانا كظل أسود يجثم على انفاسه في اوقاتٍ ما.. أو مع رفقة لا يحبها..! فيكبر وعيه بروحه. لكن يظل العقل هو قائد تحركاته..
في الثلث الثالث بعد الخمسين.. لدى معظم البشر (المحظوظين بحياة نمطية).. هو وقت الاقتراب من توقف العمل ك ثور في ساقية..! وحتى لو استمر العمل للسبعين سيكون في نطاق يستخدم الخبرة لا العضلات.. و يصبح الفرد مستشارا لمن حوله.. يكون قد اختبر الحب والكراهية والفشل والنجاح والنشاط والخمول وكل العواطف الإنسانية والنزعات الحيوانية قد مرت به..!
هنا تستيقظ الروح من سُباتها.. و يتضخم تأثيرها على الفرد العاقل! يشعر أن خلاياه الجسدية لم تعد تخدمه كالسابق، وتطالب بالرحمة! و يجد الراحة في السكون لا الحركة!
يلاحظ اختفاءا تدريجيا لمن يكبره في السن.. ويتقبل حقيقة أن مابقي من عمره أقل مما مضى.. يودع قريبا أو صديقا كل عام. وداعا أبديا.. فيبدأ بتقييم كل علاقة باقية بعين ثاقبة:
هل هي مجدية؟ هل هي مريحة؟ هل هي آمنة؟ هل تستحق الوقت؟
وحتى عقله يطرق جوانب رأسه بهدوء.. ليطلب منه التفكير بروية! مهلا عزيزي الإنسان.. عقلك لا يريد منك التوقف عن الحركة ولا عن خوض المزيد من العلاقات.. ولا عن السعي في مناكب الأرض..
هو يريد منك أن تتريث في خطواتك لتستمتع بما حولك.. وتتوقف عن اللهاث..وتهنأ بلحظات وادعة بطيئة الوتيرة !
يريدك أن تعطيه غذاء بصريا و سمعيا ممتعا. لأن خبرته تقول أن استماعه لابتهالات دينية أو موسيقى هادئة أو صوت صديق قديم بجوار امواج البحر تجعله أهدأ وأسعد! و .. صحيح أن هذه المتع لا تجلب كسبا ماديا من وراءها ولكنها تربت على قلب صاحبها!
يريد منك أن تستضيف في عالمك من يشبهك.. وأن تتحاشى من يبثك بالقلق.. وهنا سيتنازل العقل العاقل عن أي نقاش عقيم لا يؤدي لنتيجة!
الروح تحتاج الآن للكلام الخفيض.. لأنها تقترب عاما بعد عام من عالم الأرواح.. والرغبة في “السلام والسكينة” مطلب حاذق وينم عن الوعي! فما فائدة خوض الصراعات للأبد؟
وما المكسب من السباق اليومي خلف النجاحات والانتصارات والنياشين التي لن نحملها للعالم الآخر؟!
وإذا وقعت لبرهة فما المانع من أخذ قسط من الراحة بدلا من مواصلة الاندفاع المرهق جسديا وذهنيا؟!
وإذا حققت العديد من المكاسب على المستوى الشخصي والعملي فلماذا لا أتقبل الإخفاق وشعور الإعياء ونقص الطاقة البدنية قبولا حسنا؟
الروح دائما شفافة و متعالية عن الماديات الصرفة.. يريحها الهدوء و اللطف، و يرهقها الصخب ، ولا تضرها الخسائر… والاهتمام بشعورها بالاطمئنان في هذه المرحلة من الحياة هو عين الحكمة والبصيرة الثاقبة! هذا لا يعني أنك بقايا إنسان.. بل يعني أنه بمقدار ما اصبح الجزء الطيني منك يتضاءل، فإن الجزء الروحي منك يسمو و يكبر ويختار الترّفع عن التوافه.. والتنافس على الشكليات.. و يأنس بالقليل من العبارات الودودة.. ينتقي ما يستحق المجهود لأجله و يزهد في ما بأيد الآخرين..
فلا تنظر لنفسك بأسى.. أو بعين مشفقة و كأن هذا ضعف وتخاذل منك.. بل اتبع ما تتوق إليه روحك. وما أجمل حكمة سلمان الفارسي حين قال “إن لنفسك عليك حقا.. فاعط كل ذي حقٍ حقه”!
والسلام.








