مقالات
حكاية قلب لم يعد يعاتب

لا يتوقف الإنسان عن العتاب حين ينتهي ما يؤلمه؛ قد يتوقف حين يفقد ثقته بجدوى الحديث. فبعد محاولاتٍ يشرح فيها وجعه، ويطلب فيها ما يحفظ للعلاقة مودّتها، يأتي موقفٌ يشبه ما سبقه، فلا يجد في نفسه رغبةً في الشرح من جديد. يصمت بعدما كان حريصًا على أن يُفهَم، ويترك ما كان يسعى إلى إصلاحه، لأن رجاءه في التغيير أخذ يتراجع مع كل محاولة لم تجد صداها.
لا يفقد القلب رغبته في القرب دفعة واحدة. تتراجع حين يُستهان بما يُفصح عنه، وحين يتكرر ما قيل إنه لن يتكرر، وحين تصبح المحافظة على العلاقة جهدًا يبذله طرف وحده. وفي كل مرة يعود فيها الإنسان إلى شرح الألم نفسه، يضعف شيء من ثقته بأن مشاعره تجد مكانًا لدى الآخر.
وقد يغيب هذا التحوّل عمّن اعتاد أن يجد بعد كل إساءة فرصة جديدة. يطمئن إلى هدوء الحديث، ويظن أن الأيام أصلحت ما حدث، دون أن ينتبه إلى أن التفاصيل لم تعد تُروى، وأن المبادرات أصبحت أقل، وأن من كان يسأله عن غيابه بات يمضي يومه دون انتظار. هكذا قد تفقد العلاقة معناها، فيما يبقى شكلها مألوفًا.
في هذه المسافة تبدو اللامبالاة أشد وقعًا من الكره؛ فالكره يبقي صاحبه منشغلًا بمن آذاه، أما انطفاء الاهتمام فيجعل حضوره وغيابه متقاربين. لكن شدة وقعها على الطرف الآخر لا تكفي للحكم عليها؛ فالسؤال الأهم هو ما تتركه في نفس من وصل إليها: هل استعاد راحته، أم فقد مع الألم قدرته على الفرح؟
هناك هدوء يمنح الإنسان مساحة ليعود إلى حياته، فينام دون ترقّب، ويستمتع بصحبة آمنة، ويجد وقتًا لما أهمله من نفسه. وهناك جمود يمتد من تجربة واحدة إلى بقية العلاقات؛ تصبح معه المودة موضع شك، والقرب احتمالًا للأذى، حتى يُحاسَب أشخاص جدد على أخطاء لم يرتكبوها.
وحين يحدث ذلك، تكون التجربة قد أخذت أكثر مما ينبغي. فحقنا في الحذر لا يستلزم أن نغلق كل باب، وحاجتنا إلى الحماية لا تعني أن نعيش في استعداد دائم للخذلان. نستطيع أن نتأنّى في الثقة، وأن نراقب الأفعال، وأن نحفظ حدودنا، مع إبقاء فرصة للخير الذي لم نعرفه بعد.
يقول إيليا أبو ماضي:
كن بلسماً إن صار دهرك أرقماً
وحلاوةً إن صار غيرك علقماً
وفي هذا المعنى دعوة إلى صون طيبة النفس من مرارة التجربة. لا تُلزمنا الطيبة بالبقاء حيث نتأذى؛ يمكن أن نغادر بأدب، ونرفض بوضوح، ونحفظ كرامتنا دون رغبة في الانتقام. فالقدرة على حماية أنفسنا مع الاحتفاظ برحمتنا من أجمل ما نسترده بعد علاقة أنهكتنا.
ولعل ما يستحق الرعاية حين يتوقف القلب عن العتاب هو ذلك الجزء الذي ظل طويلًا يحاول أن يُفهَم. يحتاج إلى وقت يهدأ فيه، وإلى حياة لا تقوم على انتظار استجابة شخص واحد. وحين يعود قادرًا على الفرح والقرب والاختيار، يصبح ابتعاده قرارًا يصون حياته، بدل أن يكون جرحًا يديرها.
همسة أمل
لا تقسُ على قلبك لأنه تعب، ولا تجبره على استعادة شعور لم يعد يطمئن إليه. امنحه حق المسافة ووقت التعافي، ثم انظر إلى ما يعود فيه من حياة. فأجمل نهاية لهذه الحكاية أن تستعيد نفسك، وتظل قادرًا على المحبة، أكثر وعيًا بمن تمنحه مكانًا في قلبك..








