صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا عام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

لياقة عبور الجسر.. من الثانوية إلى الجامعة

لماذا ينبغي أن يبدأ الاستعداد للقدرات والتحصيلي من مقاعد المرحلة الثانوية، لا بعد التخرج منها؟

ثلاث سنوات يقضيها الطالب في المرحلة الثانوية، يتنقل خلالها بين الفصول الدراسية، ويخوض الاختبارات، ويجتهد في تحصيل درجاته، ويحمل مع أسرته آمالاً كبيرة بمستقبل جامعي يفتح له أبواب الحياة. ثم يأتي موعد التخرج، ليكتشف أن أمامه اختبارين آخرين قد يكون لهما تأثير بالغ في تحديد وجهته الجامعية ومستقبله الأكاديمي: القدرات العامة والتحصيلي.

وهنا تبدأ حكاية أخرى!

تبدأ رحلة البحث عن المعاهد التدريبية، والدورات المكثفة، والمدربين المتخصصين، والمذكرات والنماذج التجريبية، وتبدأ معها أعباء مالية إضافية تتحملها الأسر، وضغوط نفسية يعيشها الطلاب، في مرحلة يفترض أن تكون تتويجاً لسنوات من التعلم والاستعداد، لا بداية لسباق جديد مع الزمن.

وهنا يبرز سؤال يستحق أن نطرحه بجدية: لماذا لا تكون المدرسة الثانوية هي المكان الذي يستعد فيه الطالب لاختبارات القدرات والتحصيلي، بدلاً من أن ينتظر حتى يتخرج ليبدأ رحلة الاستعداد لها؟

إن هذا السؤال لا ينتقص من قيمة التعليم الثانوي، ولا يقلل من الجهود المبذولة لتطويره، وإنما يفتح نافذة للتفكير في كيفية تحقيق تكامل أكبر بين مخرجات التعليم المدرسي ومتطلبات القبول الجامعي. فالمشكلة ليست في وجود الاختبارين، بقدر ما تكمن في تأخر الاستعداد لهما.

حين يبدأ الاستعداد بعد فوات الأوان

فاختبار القدرات العامة لا يقيس مقدار ما يحفظه الطالب من معلومات بقدر ما يقيس قدرته على التفكير والتحليل والاستنتاج، وفهم العلاقات، والتعامل مع المسائل الكمية واللفظية. أما الاختبار التحصيلي، فيقيس حصيلة ما اكتسبه الطالب من معارف ومفاهيم علمية خلال دراسته.

وبينما تُبنى هذه القدرات والمعارف على مدى سنوات، نجد أن جزءاً كبيراً من الاستعداد العملي للاختبارين يُترك إلى فترة قصيرة تسبق التخرج، وكأننا نطلب من الطالب أن يتقن في أسابيع مهارات كان من الممكن أن تنمو لديه تدريجياً منذ اليوم الأول في المرحلة الثانوية.

إن معالجة هذه الفجوة لا تتطلب بالضرورة تغييراً جذرياً في المناهج، ولا إضافة أعباء دراسية تثقل كاهل الطالب، وإنما تتطلب إعادة تنظيم بعض مكونات الخطة التعليمية، بحيث تصبح مهارات القدرات والتحصيل جزءاً من منظومة التأهيل المبكر للجاهزية الجامعية.

تنمية المهارة لا استنساخ الإجابات

يمكن أن يبدأ هذا التحول من الصف الأول الثانوي، من خلال تخصيص حصص أسبوعية لتنمية مهارات التفكير المنطقي، والاستدلال، والفهم القرائي، والتحليل، والمهارات الكمية. ولا يكون الهدف هنا تدريب الطالب على حفظ أنماط الأسئلة أو استنساخ الإجابات، بل بناء عقلية قادرة على الفهم والتفكير والوصول إلى الحلول.

وفي الصف الثاني الثانوي، ينتقل الطالب إلى مرحلة أكثر تقدماً، تجمع بين تطوير مهارات القدرات والتدريب التدريجي على التحصيلي، من خلال ربط المفاهيم العلمية التي يدرسها بالأنماط المعرفية والمهارية التي يتطلبها الاختبار.

أما الصف الثالث الثانوي، فيكون مرحلة الإتقان والاستعداد النهائي، من خلال الاختبارات التجريبية الدورية، والمحاكاة الواقعية للاختبارات الرسمية، والمراجعات المنظمة، ومعالجة جوانب الضعف لدى كل طالب قبل وصوله إلى مرحلة التقديم الجامعي.

وبهذه الآلية، سيجد الطالب نفسه عند التخرج أمام تجربة سبق أن خاضها مراراً، وتدرّج في اكتساب مهاراتها عاماً بعد عام.

إننا هنا لا نقترح إضافة مادة دراسية جديدة بقدر ما نقترح استثماراً أكثر كفاءة للوقت التعليمي المتاح، وإعادة توجيه جزء من الأنشطة والحصص بما يخدم مستقبل الطالب الأكاديمي.

من التدريب التقليدي إلى التأهيل الذكي

ولكن، ماذا لو تجاوزنا فكرة الحصص التدريبية التقليدية إلى ما هو أبعد؟

هنا يمكن أن تتحول المبادرة إلى مشروع تطويري أكثر عمقاً وتأثيراً، من خلال إنشاء «ملف إلكتروني للجاهزية الجامعية» لكل طالب، يبدأ منذ دخوله المرحلة الثانوية ويستمر حتى تخرجه.

يرصد هذا الملف تطور مستوى الطالب، ويحدد جوانب القوة والضعف لديه، ويقترح له تدريبات تتناسب مع احتياجاته الفعلية، بدلاً من إخضاع جميع الطلاب لبرنامج تدريبي موحد رغم اختلاف مستوياتهم وقدراتهم.

ولا ينبغي أن يتوقف دور هذا الملف عند متابعة نتائج الطالب في القدرات والتحصيلي، بل يمكن أن يمتد إلى رصد ميوله الأكاديمية، والتعرف على المجالات التي يمتلك فيها استعداداً أكبر، ومساعدته على اكتشاف التخصصات الجامعية التي تتوافق مع قدراته واهتماماته.

ويمكن توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في بناء مسارات تعلم شخصية، تقدم لكل طالب تدريبات تتناسب مع مستواه، وتتابع تطوره، وتساعد المعلمين على تحديد المهارات التي تحتاج إلى مزيد من الاهتمام، مع مراعاة خصوصية بيانات الطلاب وضوابط استخدامها.

وبذلك ننتقل من مفهوم التدريب الجماعي التقليدي إلى مفهوم التأهيل الذكي الذي يضع الطالب في مركز العملية التعليمية، ويمنحه فرصة للتطور وفق احتياجاته وإمكاناته.

عدالة التعليم.. حتى تكون الجاهزية للجميع

ولعل من أهم المكاسب المتوقعة من هذا التوجه أنه سيحد من اعتماد الطلاب على الدورات الخارجية المكلفة، ويعزز مبدأ تكافؤ الفرص بين أبناء الأسر بمختلف مستوياتها الاقتصادية، بحيث لا تصبح القدرة المالية للأسرة عاملاً مؤثراً في مدى استعداد ابنها أو ابنتها للاختبارات الجامعية.

فليس من العدالة أن تتفاوت فرص الاستعداد لمستقبل أكاديمي واحد بسبب تفاوت القدرة على شراء الدورات التدريبية.

ومن حق كل طالب، أياً كانت ظروف أسرته الاقتصادية أو موقع مدرسته الجغرافي، أن يحصل على فرصة عادلة للتأهيل والتدريب، وأن يجد في مدرسته ما يعينه على الاستعداد للمرحلة الجامعية دون أن يضطر إلى البحث عن بدائل خارجية قد لا تكون متاحة للجميع.

وهذا لا يعني إلغاء دور المعاهد والمراكز التدريبية أو الانتقاص من جهودها، وإنما جعل المدرسة نقطة الانطلاق الأساسية للتأهيل، بحيث تصبح الدورات الخارجية خياراً إضافياً لمن يرغب، لا ضرورة تفرضها فجوة في الاستعداد المدرسي.

المدرسة ليست معسكراً للاختبارات

ومن المهم التأكيد على أن إدراج التأهيل لا يعني تحويل المرحلة الثانوية إلى معسكر لإعداد الطلاب للاختبارات، أو اختزال قيمة التعليم في أرقام ودرجات.

فالمدرسة مطالبة أولاً ببناء شخصية الطالب، وتنمية معارفه، وتوسيع مداركه، وتعزيز مهاراته الحياتية، وإعداده ليكون فرداً فاعلاً في مجتمعه. وتأتي اختبارات القدرات والتحصيلي ضمن هذه المنظومة، لا بديلاً عنها.

كما ينبغي ألا تدخل درجات الاختبارات التجريبية في المعدل المدرسي، حتى لا تتحول إلى عبء إضافي، بل تكون وسيلة للتشخيص والتطوير وقياس التقدم.

ويجب أن يظل الهدف هو تنمية المهارات الحقيقية وترسيخ المعرفة، لا مجرد رفع الدرجات من خلال التدريب المكثف على أنماط الأسئلة.

من الفكرة إلى التطبيق.. تجربة قابلة للقياس

أما من حيث التنفيذ، فيمكن البدء بمرحلة تجريبية في عينة متنوعة من المدارس الحكومية والأهلية، وفي مناطق تعليمية مختلفة، على أن تُطبق المنظومة تدريجياً وفق خطة تمتد على السنوات الثلاث للمرحلة الثانوية.

ويكون نجاح التجربة مرتبطاً بمؤشرات أداء واضحة، تشمل تطور نتائج الطلاب في الاختبارات الرسمية، ومدى تحسن مهاراتهم، وانخفاض الفجوة بين نتائجهم التجريبية والرسمية، ومدى تراجع اعتماد الأسر على الدورات الخارجية المكلفة.

ولضمان موضوعية التقييم، يمكن مقارنة نتائج المدارس التي تطبق المبادرة بنتائج مدارس مماثلة لم تطبقها، مع مراعاة اختلاف مستويات الطلاب والبيئات التعليمية، حتى تكون قرارات التوسع مبنية على نتائج فعلية، لا على الانطباعات وحدها.

وبعد تقييم التجربة ومعالجة تحدياتها، يمكن التوسع التدريجي في تطبيقها على مستوى المملكة، بما يضمن الاستفادة من النتائج وتطوير آليات التنفيذ باستمرار.

إن تطوير التعليم لا يعني دائماً إضافة المزيد من المواد والمقررات، بل قد يعني أحياناً إعادة ترتيب ما لدينا، وربط مراحله ببعضها بصورة أكثر ذكاءً وفاعلية.

عبور آمن نحو المستقبل

إننا لا نريد طالباً يتخرج من الثانوية ليبدأ الاستعداد للجامعة، بل نريد طالباً يستعد للجامعة طوال سنوات المرحلة الثانوية.

نريد مدرسة لا تكتفي بمنح الطالب شهادة تثبت أنه أنهى مرحلة تعليمية، بل تمنحه أيضاً المهارات والثقة والجاهزية التي يحتاج إليها لعبور المرحلة التالية من حياته.

إن المدرسة هي الشريك الحقيقي للأسرة في رسم مستقبل أبنائها، ولا تكتمل مسؤوليتها إلا بتمكين الطلاب والطالبات من استيفاء متطلبات المرحلة الجامعية وتأهيلهم للعبور إليها بثقة وجاهزية. فإذا كانت المرحلة الثانوية هي الجسر الذي يعبر من خلاله أبناؤنا نحو مستقبلهم الجامعي، فمن غير المنطقي أن نكتشف عند نهاية الجسر أن بعضهم لم يتعلم بعد كيف يعبره.

إن الاستثمار الحقيقي في التعليم لا يقاس فقط بما يتعلمه الطالب داخل الفصل، وإنما بمدى قدرته على توظيف ما تعلمه في رسم مستقبله وصناعة فرصه.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن نبدأ منه رحلة التطوير ليس: كيف نُعد أبناءنا لاختبارات القدرات والتحصيلي بعد تخرجهم؟ بل: لماذا لا نجعل المدرسة نفسها المكان الذي يهيئهم لها، ويمنحهم الثقة لعبور بوابة المستقبل؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى