مقالات
.

حين تغرب من حياتك أشياء أحببتها، لا تُطل الوقوف أمام مشهد الغروب، ولا تُهدر عمرك في انتظار شمسٍ اختارت الرحيل. فليس كل ما أحببناه كُتب له البقاء، وليس كل ما انتهى كان ينبغي أن يستمر.
فالحياة لا تتوقف عند خسارة، ولا تُغلق أبوابها لأن بابًا واحدًا أُغلق. قد نفقد حلمًا ظنناه مستقبلنا، أو شخصًا حسبناه رفيق الطريق، أو فرصة اعتقدنا أنها لن تتكرر، ثم تكشف الأيام أن ما حسبناه نهاية لم يكن سوى منعطف يقودنا إلى طريق آخر.
يقول أبو القاسم الشابي:
«ومن لا يحب صعود الجبال
يعش أبد الدهر بين الحفر»
فالنهوض بعد الانكسار ليس تجاهلًا للألم، بل انتصار عليه، واختيارًا واعيًا ألّا يتحول الفقد إلى إقامة دائمة في القلب.
ولعل في قول المتنبي:
«ما كل ما يتمنى المرء يدركه
تجري الرياح بما لا تشتهي السفن»
تذكيرًا بأن الحياة لا تأتي دائمًا وفق ما نشتهي، لكن ذلك لا يعني أن ما يأتي بعدها أقل جمالًا. فكم من أمنية لم تتحقق، ثم أدركنا بعد زمن أن الخير كان في اتجاه آخر، وكم من غروب أحزننا، ثم اكتشفنا أنه أفسح الأفق لشروق لم نكن نراه.
استدر نحو الشرق.
ابحث عن النور بدل أن تعدّد مساحات العتمة، وعن الممكن بدل أن تبقى أسير ما تعذّر، وعن القادم بدل أن تستنزف قلبك في سؤال: لماذا رحل ما أحببت؟
فبعض الأسئلة لا تعيد غائبًا، ولا تصلح ما انكسر، ولا تغيّر ما حدث؛ لكنها قد تستنزف أعمارنا ونحن نبحث لها عن إجابات ربما لن تأتي. وفي مرحلة ما، يصبح السلام أهم من معرفة كل الأسباب، ويصبح قبول ما حدث أكثر حكمة من مطاردة تفسيراته.
ليس المطلوب أن تنسى ما أحببت، ولا أن تتظاهر بأن الرحيل لم يؤلمك. بعض الأشياء تستحق أن نحزن عليها، وبعض الخسارات تترك فينا أثرًا لا تمحوه الأيام تمامًا. لكن الفرق كبير بين أن تحمل أثر التجربة وبين أن تسمح لها بأن تحمل عمرك كله.
فالإنسان لا يملك أن يمنع كل غروب، لكنه يملك ألّا يجعل منه نهاية الأفق.
وقد قال إيليا أبو ماضي:
«أيها الشاكي وما بك داء
كن جميلًا ترَ الوجود جميلًا»
والتفاؤل هنا ليس إنكارًا للحزن، ولا ادعاءً بأن الفقد لا يؤلم؛ بل هو القدرة على رؤية ما بقي بعد ما رحل، والامتنان لما لا يزال قائمًا، والإيمان بأن الحياة أوسع من خسارة مهما بدت كبيرة.
فكم من باب أغلقناه بألم، ثم شكرنا الأيام لاحقًا لأنه لم يُفتح من جديد. وكم من طريق قاومنا مغادرته، ثم اكتشفنا بعد مسافة أن بقاؤنا فيه كان سيأخذ منا أكثر مما أخذ الرحيل.
نحن لا نعرف قيمة بعض النهايات لحظة حدوثها؛ لأننا ننظر إليها بعيون الفقد، لا بعيون المستقبل. والزمن وحده يكشف أحيانًا أن بعض ما حزنّا عليه كان يفسح لنا مكانًا لشيء أكثر اتساعًا، وأن بعض الأشخاص الذين غادروا تركوا وراءهم مساحة لنستعيد أنفسنا، وأن بعض الأحلام التي لم تتحقق دفعتنا إلى اكتشاف أحلام أكثر شبهًا بنا.
لذلك لا تجعل ما فقدته يحجب عنك ما تملكه، ولا تسمح لخيبة واحدة أن تعيد تعريف الحياة كلها في عينيك. فالذين يحدّقون طويلًا في الأبواب المغلقة قد لا ينتبهون إلى أبواب أخرى فُتحت لهم، والذين يبقون أسرى الأمس قد يمرّ الغد بجوارهم دون أن يروه.
الحياة لا تعدنا بأن تبقى الأشياء كما نحب، لكنها تمنحنا دائمًا فرصة أن نعيد ترتيب أنفسنا بعد كل تغيير. أن نتعلم، وننضج، ونراجع اختياراتنا، ونفهم حدودنا، ثم نبدأ من جديد بوعي أكبر.
وربما أجمل ما نتعلمه من الغروب أنه لا يعني موت الشمس؛ إنما يعني أنها غابت عن جهة لتشرق في جهة أخرى.
وهكذا بعض الأشياء في حياتنا؛ حين تغيب لا يكون المطلوب أن نركض خلفها، بل أن نفهم رسالتها، ونأخذ منها ما علّمتنا إياه، ثم نواصل السير.
لا تجعل قلبك محطة انتظار لمن اختار الرحيل، ولا مستودعًا لأحلام انتهى زمنها، ولا مكانًا تعيد فيه الخيبات عرض مشاهدها كل يوم. امنح نفسك حق الحزن، لكن امنحها أيضًا حق التعافي، وحق التغيير، وحق أن ترى الحياة من نافذة أخرى.
فليس الوفاء للماضي أن نبقى فيه، وليس تجاوز الألم خيانة لما شعرنا به يومًا. أحيانًا يكون أصدق وفاء لأنفسنا أن نقول لما مضى: لقد كنت جزءًا من حكايتي، لكنك لست الحكاية كلها.
ثم نمضي.
نمضي بما تعلمناه، لا بما أثقلنا. بما نضج فينا، لا بما انكسر. وباليقين أن الأيام التي أخذت منا أشياء، قد تحمل إلينا أشياء لم نكن نعرف أننا نحتاجها.
فلا تقف طويلًا أمام ما غاب، ولا تجعل عينيك معلقتين بأفق أطفأ نوره. بعض الأشياء حين تغرب من حياتنا لا تطلب منا أن ننتظر عودتها، بل أن نغيّر جهة النظر.
همسة أمل:
حين تغرب من حياتك أشياء أحببتها، لا تظن أن النور قد انتهى؛ ربما كنت تنظر فقط إلى الجهة الخطأ.
استدر نحو الشرق…
فهناك شمس تستعد للشروق، وطريق لم تمشِه بعد، ونسخة منك لم تلتقِ بها بعد، وحياة قد تخبئ لك من الجمال ما يجعلك يومًا تنظر إلى بعض ما فقدته وتقول:
الآن فهمت لماذا كان لا بد لبعض الأشياء أن تغرب….






